محمد بن جرير الطبري
405
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
يقول لذلك الأَمر " كن " ، فيكون ذلك الأَمر على ما أمره الله أن يكون وأراده . فإن قال لنا قائل : وما معنى قوله : وَإِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ؟ وفي أي حال يقول للأَمر الذي يقضيه كن ؟ أفي حال عدمه ، وتلك حال لا يجوز فيها أمره ، إذ كان محالا أن يأمر إلا المأمور ، فإذا لم يكن المأمور استحال الأَمر ؛ وكما محال الأَمر من غير آمر ، فكذلك محال الأَمر من آمر إلا لمأمور . أم يقول له ذلك في حال وجوده ، وتلك حال لا يجوز أمره فيها بالحدوث ، لأَنه حادث موجود ، ولا يقال للموجود : كن موجودا إلا بغير معنى الأَمر بحدوث عينه ؟ قيل : قد تنازع المتأولون في معنى ذلك ، ونحن مخبرون بما قالوا فيه ، والعلل التي اعتل بها كل فريق منهم لقوله في ذلك : قال بعضهم : ذلك خبر من الله جل ثناؤه عن أمره المحتوم على وجه القضاء لمن قضى عليه قضاء من خلقه الموجودين أنه إذا أمره بأمر نفذ فيه قضاؤه ، ومضى فيه أمره ، نظير أمره من أمر من بني إسرائيل بأن يكونوا قردة خاسئين ، وهم موجودون في حال أمره إياهم بذلك ، وحتم قضائه عليهم بما قضى فيهم ، وكالذي خسف به وبداره الأَرض ، وما أشبه ذلك من أمره وقضائه فيمن كان موجودا من خلقه في حال أمره المحتوم عليه . فوجه قائلوا هذا القول قوله : وَإِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ إلى الخصوص دون العموم . وقال آخرون : بل الآية عام ظاهرها ، فليس لأَحد أن يحيلها إلى باطن بغير حجة يجب التسليم لها ، وقال : إن الله عالم بكل ما هو كائن قبل كونه . فلما كان ذلك كذلك كانت الأَشياء التي لم تكن وهي كائنة لعلمه بها قبل كونها ، نظائر التي هي موجودة ، فجاز أن يقول لها : " كوني " ، ويأمرها بالخروج من حال العدم إلى حال الوجود ، لتصور جميعها له ، ولعلمه بها في حال العدم . وقال آخرون : بل الآية وإن كان ظاهرها ظاهر عموم ، فتأويلها الخصوص ؛ لأَن الأَمر غير جائز إلا لمأمور على ما وصفت قبل . قالوا : وإذا كان ذلك كذلك ، فالآية تأويلها : وإذا قضى أمرا من إحياء ميت ، أو إماتة حي ، ونحو ذلك ، فإنما يقول لحي كن ميتا ، أو لميت كن حيا ، وما أشبه ذلك من الأَمر . وقال آخرون : بل ذلك من الله عز وجل خبر عن جميع ما ينشئه ويكونه انه إذا قضاه وخلقه وأنشأه كان ووجد . ولا قول هنا لك عند قائلي هذه المقالة إلا وجود المخلوق ، وحدوث المقضي ؛ وقالوا : إنما قول الله عز وجل : وَإِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ نظير قول القائل : قال فلان برأسه ، وقال بيده ؛ إذا حرك رأسه أو أومأ بيده ولم يقل شيئا . وكما قال أبو النجم : وقالت الأَنساع للبطن الحق * قدما فآضت كالفنيق المحنق ولا قول هنا لك ، وإنما عنى أن الظهر قد لحق بالبطن . وكما قال عمرو بن حممة الدوسي : فأصبحت مثل النسر طارت فراخه * إذا رام تطيارا يقال له قع ولا قول هناك ، وإنما معناه : إذا رام طيرانا ووقع ، وكما قال الآخر : امتلأ الحوض وقال قطني * سيلا رويدا قد ملأَت بطني وأولى الأَقوال بالصواب في قوله : وَإِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ أن يقال : هو عام في كل ما قضاه الله وبرأه ، لأَن ظاهر ذلك ظاهر عموم ، وغير جائز إحالة الظاهر إلى الباطن من التأويل بغير برهان لما قد بينا في كتابنا : " كتاب البيان عن أصول الأَحكام " . وإذ كان ذلك كذلك ، فأمر الله جل وعز لشيء إذا أراد تكوينه موجودا بقوله : كُنْ في حال إرادته إياه مكونا ، لا يتقدم وجود الذي أراد إيجاده وتكوينه إرادته إياه ، ولا أمره بالكون والوجود ، ولا يتأخر عنه . فغير جائز أن يكون الشيء مأمورا بالوجود مرادا كذلك إلا وهو موجود ، ولا أن يكون موجودا إلا وهو مأمور بالوجود مراد كذلك .